الشيخ محمد علي التسخيري
239
محاضرات في علوم القرآن
وفي نهاية المطاف يجدر بنا أن نذكر خلاصة الوجه الصحيح في حكمة ورود المتشابه في القرآن . وبهذا الصدد يحسن بنا أن نقسّم المتشابه إلى قسمين رئيسيين : الأوّل : المتشابه الذي لا يعلم تأويله ومصداقه إلّا اللّه . الثاني : المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا اللّه والراسخون في العلم . أمّا ورود القسم الأوّل في القرآن فلأنّ من الأهداف الرئيسة التي جاء من أجلها القرآن الكريم هو ربط الإنسان الذي يعيش الحياة الدنيا بالمبدأ الأعلى وهو اللّه سبحانه وبالمعاد وهو الدار الآخرة وعوالمها . وهذا الربط لا يمكن أن يتحقّق إلّا عن طريق إثارة المواضيع التي تتعلّق بعالم الغيب وما يتّصل به من أفكار ومفاهيم لينمّي غريزة الإيمان التي فطر الإنسان عليها ويشدّه إلى عالمه الذي سوف ينتهي إليه . فلم يكن هناك سبيل أمام القرآن الكريم يتفادى به المتشابه في القرآن بعد أن كان هو السبيل الوحيد الذي يوصل إلى هذا الهدف الرئيسي . وأمّا ورود القسم الثاني في القرآن الكريم بهذا الأسلوب أمام العقل البشري كبعض المسائل الكونية وغيرها لينطلق من تدبّر حقيقتها واكتشاف ظلماتها المجهولة ، ونحن في هذا العصر حين نعيش التطوّر المدني العظيم في المجالات العلمية المختلفة ندرك قيمة بعض الآيات القرآنية التي ألمحت إلى بعض الحقائق العلميّة ووضعتها تحت تصرّف الإنسان لينطلق منها في بحثه وتحقيقه ، وبهذا يمكن أن نقدّم تفسيرا لحكمة ورود المتشابه في القرآن الكريم .